|
قراءة فنية وإيمانية لفيلم آلام
السيد المسيح للمخرج ميل
غيبسون
بقلم المفكرة الكاتبة نزهة
إلياس
بطلب خاص من
الأب جهاد جلحوم
الآلام
رؤى إيمانية، تكتبها بلغة بصريّة فائقة الرّوعة، كاميرا المخرج ميل
غيبسون من خلال عين السيّدة العذراء،
التي ترصد مع قلبها السّاعات الأخيرة
من حياة السيّد المسيح...
ترى هل هذه هي
الحقيقة فقط فيما قالته لنا كاميرا المخرج المؤمن المبدع -
ميل غيبسون- ؟؟؟
بالتأكيد لا، فالفيلم بمجمله، وبكلّ التفاصيل الشديدة الرّوعة،
المبنيّة أساساً على الكتابة بالكاميرا هو وبدون مبالغة،
إعادة
صياغة
إنجيل
يوحنّا بلغة الضوء والصّوت،
في ربط فائق الدقّة، وإدراك متناهٍ للعلاقة بين كلّ حدث في الساعات
الأخيرة، وبين أخطر المواقف والكلمات في مسيرة حياة يسوع خلال السّنوات
الثّلاث من عمره، والتي هي مجمل البشارة، التي توّجت بتمام الشريعة
التي هي المحبّة، وتمام المحبّة الذي هو الصّليب....
فلا مسيحيّة
بدون قيامة، ولا قيامة بدون صليب، ولا صليب بدون محبّة.... والفيلم
بمجمله أبرز كلّ هذه الصّور بحرفيّة فائقة.....
الرؤية الخاصّة في قراءة بصرية
تبدأ
إشارة الفيلم،
على صورة كبيرة تشبه السّمكة، تتراجع الكاميرا _ زوم آوت_ لنكتشف أنّ
صورة الشّارة هي عين السيّدة العذراء في منتصف أيقونة. كتب تحتها :
" الأيقونة للإنتاج تقدّم " ..... ونفهم في هذه الشارة أنّ الأحداث
كلّها تدور خلال هذه السّاعات من " عين العذراء تماماً إذن هي
رؤية الأحداث كما رصدتها كاميرا المخرج المبدع "ميل غيبسون" من خلال
عين عذراء....
الألم الذي كان يبدو
مجسّماً بصورة هائلة على وجه السيّد المسيح، في بستان الزيتون وتقلّصات
وجهه، لم تكن ضعفاً كما فهمها البعض، إنّما أراد المخرج أن يوضّح كمَّ
الحزن الذي كان يملأ قلب السيّد المسيح وهو يستعرض حجم الخطايا خلال
المسيرة البشريّة كلّها، وحجم هذا الفداء. بدليل الحوار الذي أداره
_ المُجرِّب _ إنّ رجلاً واحداً لن يستطيع أن يحمل كلّ هذه الخطايا"
وأيضاً بدليل الجملة التي يفتتح
بها المخرج، والمأخوذة من سفر
أشعيا...
السّيدة العذراء
أبرز الفيلم أنّ
العذراء هي الكنيسة.... كنيسة السيّد المسيح،
التي تعرف كلّ شيء من خلال علاقتها بابنها، وليس فقط من خلال قول سمعان
الشيخ لها يوم قدّمت ابنَها إلى الهيكل طفلاً...
وهي الواقفة بقرب
السيّد أمّاً لكنّها تعرف حجم المطلوب منها : ليس فقط في الربط الذي
حقـّـقه المخرج بين سقوط المسيح الطفل وهو يمشي، وإسراعها لاحتضانه
وإنهاضه، وبين نهوضه من تحت الصليب في كلّ مرّة كانت تسرع إليه لتقول
له: "بنيّ إنّي هنا"... بل من خلال حديثها معه في بيتهما في
الناصرة وهو يصنع طاولة.... وحين كانت تتمتم وهي تمشي بين الأروقة
أثناء جلده:" بنيّ متى وأين وكيف سوف تختار أن تعلن نهاية كلّ
هذا؟؟؟؟ وأيضاً حين مسح وجهها وهو واقعٌ تحت الصّليب: " أنظري
يا أمّي، لقد جعلتُ كلَّ شيء جديداً..." لقد احتضنت المجدليّة
لتعزّيها وتقوّيها بدل أن يحدث العكس، وكذلك فعلت أوّلاً مع بطرس،
ويوم وافقت المجدليّة على قولها لحظة القبض على يسوع: " لأنّنا منذ
الليلة لم نعد عبيداً...." لنظرة عينيها التي تلقـّـتها كلاوديا زوجة
بيلاطس، والتي فهمت منها أنّ العذراء لن تطلب منها ثأر
دم ابنها،
على عادة الدّم الذي يبقى على الأرض ليشهد للمظلوم، بدليل
أنّ كلاوديا
حملت لها قطع القماش الأبيض _ المناشف _ لتمسح الدّم المطلول على الأرض
بعد الجلد المميت...
فالعذراء هي
الكنيسة التي تحزن وتبكي وتتألّم لكن لا تسقط، ولا تنهار... ورسالتها
بدأت من جديد خلال رحلة الألم، وتكرّست على الصّليب.
المخرج أوضح عبارة
يسوع "_ يا امرأة _" التي احتار العالم فيها خلال
ألفي عام....
أيّـتُها الكنيسة هوذا ابنك.... فالرّسول يوحنّا هو الوارث الشرعيّ
والحقيقيّ لهذه الكنيسة...
لم يترك المعلّم ولا
أمّه، وتابع الرحلة المضنية صامتاً حزيناً باكياً حتى ما بعد
الصّليب... وحين تسجّى ابنها في حضنها كانت تتأمّل كلّ الأخاديد التي
فتحها الجلد والقتل والضرب والتـّعذيب في وجهه، دون أن يقطع المخرج على
وجهة نظرها ويرينا ما رأت عيناها، بل كانت الكاميرا تتنقل في حركة
مرافقة إلى إكليل الشّوك،
والمسامير وأدوات
التعذيب، وقد سجّلت الصّورة ثلاث قطع متوالية، تنتقل فيها الكاميرا بين
وجهة نظر العذراء في الوجنة اليمنى لإبنها المُسَجّى في حضنها وبين أدوات
الموت تلك...
ثم فتحت كفّها في أسلوب يحمل التساؤل، أو الرضى
والتّقديم للّه الآب، وكأنها تقول ماذا بعد؟؟؟؟
الرّسل
اختار
المخرج ثلاثة نماذج:
- أحدهما خان وباع
بثلاثين وندم وانتحر في أروع صورة بصريّة لتلك المعاناة يعجز قلم عن
وصفها.
- والثاني ضعف وتجرّب، وشتم ونكر مجّاناً إلاّ عن ضعف....
- والثالث الصامت الشّاب،
الذي كان يسوع يحبّه، حمّله المخرج الرسالة الحقيقيّة له... موضّحةً في
أبدع صورة .... وهي متابعة البشرى.... حماية الكنيسة... استمرار الوجود
بنفس طريقة المعلّم مشروطاً بمرافقة العذراء وتعليمها له، وتشديدها
لهمّته....
القيروانيّ
يمثّل في الفيلم
خطورة وقوع العين الإنسانيّة في عين السيّد المسيح.... إذ جعل
القيروانيّ من رافض للمساعدة، يريد أن يؤكّد براءته من جرم الذي
يساعده، إلى متعاطف يذوب قلبه أسى وألم، يرفع صوته مستنكراً غاضباً
يثور على الجند، يرفض هذا الظّلم، ويصرخ من أجل الرّحمة بهذا الرّجل
الذي لم يعرفه من قبل، إلى أن يتوحّّد معه بالألم، بالصّليب،
بالمعاناة، يقدّم المواساة، يحاول أن يشدّد من عزيمته، يتعانقان تحت
الصليب، وأخيراً يتمنى ألاَّ يفارقه.... وهكذا فعل اللّص الذي
آمن...
أراد المخرج أن يقول
:"لا يطلب يسوع إلا أن تقع العين في
عينه تحت الصّليب، وخلال رحلة الألم كلّها، وعلى
الصليب... والباقي عليه هو!!!
وهذا بالضبط ما حصل
لكلاوديا وفيرونيكا، ولم يستطع بيلاطس أن يتحرّر من عينيه أبداً،
وقد غلبه المنصب والخوف على دمه...
المجدليّة
حين لم تطلب
منها العذراء
أن تشاركها في مسح الدّم، إذ لم تعطها إحدى المنشفتين، وهذا لأنّ
العذراء وحدها صاحبة الحق كما ابنها في المسامحة بهذا الدّم، ورفض
الثأر له، عندها كشفت المجدليّة غطاء رأسها، وشاركتها...
حين ربط المخرج بين
هذه اللحظة ولحظة تخليص يسوع للمجدليّة من حكم الشعب عليها بالرّجم،
ذلك ليقول أنّ المجدليّة لم تمتلك أن تردّ له الموقف، لكنها تذكرت
آخر مرّة زحفت فيها باتّجاه قدمه لم تكن يومها لطلب الغفران، بل كان في
صورة زحفها نفس شكل الحيّة وهي تزحف باتّجاه الرّب في بستان الزّيتون،
لقد أعطاها المخرج نفس الشّكل، خاصّة في التصوير الجانبي لوجهها _ البروفيل _ وقد جعلها ترتدي في اللقطة قرطاً طويلاً ( الحلق ) لأنها
كانت يومها تمثّل التّجربة ما تزال... فلا شيء يجعل الإنسان يزحف على
بطنه إلاَّ الرغبات والشهوات، ولقد مدّ الرّب إليها يده، فأنهض الإنسان
فيها... وبعد ذلك استطاع الرب أن يحوّل تلك الشّهوة لديها إلى ذلك الحب
الحقيقي، وينقيها من كلّ الرغبات والحيوانيّات ويحوّل مسيرتها،
ويكرّمها بالغفران الكبير على قدر هذا الحب الكبير...
التّجلّي
نحن نعرف أنّ الرّب
في التّجلّي، أراد أن يظهر عظمته لتلاميذه، حتى لا يضعفوا حين يرونه
مصلوباً. لقد أبرز المخرج ذلك في شكلٍ جديد جدأً، بدون تفصيل مشهد
التّجلّي كما ورد في الإنجيل، بل أيضاً في غير موقعه من الإنجيل لكن
بصورة شديدة الرّوعة، وذلك حين انتقل بيسوع في مشهد ( فلاش باك ) وهو
يحدّث تلاميذه عن هبته لحياته بملء إرادته حيث قال: " لا أحد يستطيع
أن ينتزع مني حياتي، أنا أهبها بملء إرادتي، ولي القدرة على أن أهبها،
ولي القدرة على أن أستردّها". في تلك اللحظة، أبدع المخرج في
- الإضاءة - وهي في المناسبة من العناصر الرّائعة في الفيلم، فقد جعل
مسقط النّور على وجه السيّد المسيح، في لقطة تسمّى في لغة السينما _
ميديوم كلوز _ فبدا شديد الضياء حتّى كأنّه شفّاف، وثيابه أيضاً كانت
شديدة اللّمعان... باختصار كان المخرج يصوّر فكرة التّجلّي وليس
مشهد التّجلّي، موضحاً بذلك عظمة الإله ومقدرته غير المحدودة على
فعل كلّ شيء، وليفهم التلاميذ أنّه بنفس هذه العظمة قد قرّر
أن يفتدي
العالم على هذه الطريقة محتملاً كلّ تلك المعاناة الرهيبة والهائلة...
القيامة
من لم يفهم مشهد
القيامة لدى المخرج المبدع ميل غيبسون، لم يفهم الفيلم من الأساس...
هذا هو رأيي الشخصي بكل تواضع...
لأول مرّة يشهد العالم
حادثة دفن تتمّ من داخل القبر، فهل يستطيع العالم أن يجيبني عل سؤالي:
" ترى من الذي يسبق
الميت الابن إلى داخل القبر؟؟؟
إنّها عين الأم وقلبها
بالتأكيد...
ولأنّ الأحداث كلّها
كما قلت في البداية، وكما أوضحت الشّارة، تتمّ من خلال عين السّيدة
العذراء، وعين الكاميرا هي وجهة النظر، فقد كانت في داخل القبر...
حيث كان المشهد الرّائع بل قمّة الرّوعة يصوّر العمق المظلم للمغارة
من الدّاخل إلى الخارج وليس العكس كما هي العادة... إذ رأينا دوران
الحجر ليغطي بقعة الضوء الوحيدة الداخلة من الشّق الجانبي للمغارة،
ويستمر الحجر في دورة ثانية وقد اختفى النور، لتقع الكاميرا على الجسد
المسجّى في الكفن، وفي الدورة الثالثة ترينا الكفن وهو يهبط، وقد انسحب
الجسد منه، ثمّ الدورة الأخيرة وقبل أن يبدو الشّق الأيسر للمغارة وقد
تخلّله النور، ليكشف وجه السيّد مغمض العينين... فمن يرى الإغماضة
للميت ما لم يكن مقيماً معه في القبر، ومن تراه كان مقيماً قلباُ
وروحاُ في قبر المسيح إلاَّ مريم أمّه؟؟؟
ثمّ تنفتح عينا السيّد
المسيح في نصف انفتاحة، ونظرة إلى لا شيء، لتكتمل بعدها... وليمرّ
الجسد في شبه عريّ _ رؤية الجنب _ واليد حيث يبدو أثر المسمار شديد
الوضوح في ظاهر الكفّ... وتنزل شارة النهاية...
باختصار... إنّ ما
شاهدت هو إعادة البشارة... في عودة أرادها الرّب نفسه على طريقة معطيات
هذا العالم الذي تحوّل عن طريق التّطوّر الهائل لوسائط
الاتصال، إلى
قرية صغيرة إعلاميّة.... فأعاد بشارته بلغة هذا العالم... حيث وجد
ضرورة أن يفعل ذلك، للمرّة الأخيرة أنّه يذكرنا بها في مطلع الألف
الثالث، ونحن أحوج من يكون إلى ذلك... وليس على طريقة أحد بل على
طريقته... فأنا أرى أنّ يد الرّب كانت تدير الكاميرا مع ميل غيبسون...
كما أنّ ميل غيبسون هو بولس الألف الثالث، لكنّه يكتب بلغة أشدّ وقعاً،
وأكثر خطورة، بلغة الصورة يكتب رسائله من خلال إنجيل يوحنّا مبشّراً
بالمسيح مصلوباً... كعهد بولس تماماُ ودوماُ...
وأتساءل لو تسمحون،
ترى أليس هذا ما قصده السيّد في عبارته يوماً : " لن تأتي تلك السّاعة،
حتى يُبشّر بكلمتي أو بالإنجيل في المسكونة كلّها" أليس فيلم ميل غيبسون
هو صوت بشارة الإنجيل وكلمة المسيح الذي ستراه صوتاً وصورةً المسكونة
كلّها وباللّغة الأم...
من يدري؟؟؟ سيبقى
السؤال مفتوحاً وستحكم علامات الأزمنة وحدها على صحّة قراءتي المتواضعة
لهذه الرّؤية الإيمانيّة الكبيرة لمخرج عملاق مؤمن... وبرغم كلّ شيء
فالفيلم يبقى بمجمله:
شهادة إيمان
ٍ كبيرة تُـكتب
بأرقى لغة بصريّة، جدّدت معموديتنا، لكنْ بالدّم هذه المرّة... عنواناً
للألف الثالث للميلاد... وشهادة حبّ وحياة...
نزهة الياس
المكتب الاعلامي
لبطريركيّة الرّوم الكاثوليك
|